منهج متفـرد

        والآن يقول قائل: إذا كان الإسلام، وهو منهج الله للحياة البشرية، لا يتحقق في الأرض وفي دنيا الناس، إلا بالجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية، وفي حدود الواقع المادي للحياة الإنسانية في البيئات المختلفة… ما ميزته إذن على المناهج البشرية، التي يضعها البشر لأنفسهم، ويبلغون منها ما يبلغه جهدهم، في حدود طاقتهم وواقعهم؟ ولماذا يجب أن نحاول تحقيق ذلك المنهج، وهو يحتاج إلى الجهد البشري ككل منهج؟ فلا يتحقق منه شيء بمعجزة خارقة، ولا بقهر الهي ملزم؟ وهو يتحقق في حياة الناس، في حدود فطرتهم البشرية، وطاقتهم العادية ، وأحوالهم الواقعية؟!

* * *

        ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج ابتداء لنحقق لأنفسنا صفة الإسلام. فركن الإسلام الأول: أن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله… وشهادة أن لا إله إلا الله، معناها القريب: إفراد  الله- سبحانه – بالألوهية، وعدم إشراك أحد من خلقه معه في خاصية واحدة من خصائصها… وأولى خصائص الألوهية: حق الحاكمية المطلقة، الذي ينشأ عنه حق التشريع للعباد، وحق وضع المناهج لحياتهم؛ وحق وضع القيم التي تقوم عليها هذه الحياة، فشهادة “أن لا إله إلا الله ” لا تقوم ولا تتحقق إلا بالاعتراف بأن لله وحده حق وضع المنهج الذي تجرى عليه الحياة البشرية؛ وإلا بمحاولة تحقيق ذلك المنهج في حياة البشر، دون سواه … وكل من ادعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس، فقد ادعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس، فقد ادعى حق الألوهية عليهم، بادعائه أكبر خصائص الألوهية.  وكل من أقره منهم على هذا الإدعاء فقد اتخذه إلهاً من دون الله، بالاعتراف له بأكبر خصائص الألوهية… وشهادة أن محمد رسول الله، معناها القريب: التصديق بان هذا المنهج الذي بلغه لنا  من الله، هو حقاً منهج الله للحياة البشرية، وهو وحده المنهج الذي نحن ملزمون بتحقيقه في حياتنا وفي حياة البشر جميعاً.

        ومن ثم فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، لنحقق لنفسنا صفة الإسلام التي ندعيها. وهي لا تتحقق إلا بشهادة أن لا إله إلا الله ، وان محمداً رسول الله.  وهذه الشهادة لا تقوم إلا بإفراد الله بالألوهية.  إفراده بحق وضع منهج الحياة.  ومحاولة تحقيق ذلك المنهج الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله.

* * *

        ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأسباب تتعلق بالمنهج ذاته.  فهو – وحده – المنهج الذي يحقق كرامة “الإنسان” ويمنحه الحرية الحقيقة، ويطلقه من العبودية… هو – وحده – الذي يحقق له التحرر الكامل الشامل المطلق – في حدود إنسانيته وعبوديته لله – التحرر من العبودية للناس بالعبودية لله رب الناس… وما من منهج آخر في الأرض يحقق هذه الخاصية إلا الإسلام… ذلك أنه بربانيته، التي تفرد الله – سبحانه- بالألوهية، ومن ثم تفرده – سبحانه- بحق الحاكمية التي تشرع للناس منهج حياتهم… يجعل للناس إلهاً واحداً، وسيداً واحداً. ويمنع أن يكون بعضهم آلهة لبعض، لهم حق الحاكمية بعضهم على بعض؛ ولهم حق السيادة بعضهم على بعض ، في مقابل العبودية التي يتسم بها من يقرون لهؤلاء الآلهة بخصائص الألوهية!.

        وهذه هي الخاصية يتفرد المنهج الإلهي. لا باللفظ والدعوى، ولكن بالحقيقة والواقع.. ومن ثم كانت دعوة الرسل جميعاً – عليهم الصلاة والسلام- هي إفراد الله بالألوهية؛ وإنكار كل خاصية من خصائصها على غير الله – سبحانه- من عبيده، الذي يتألهون، فيدعون حق وضع المناهج لحياة عباد الله، ويقرهم على هذا الإدعاء من لا يؤمنون بوحدانيته الله!.

        ولقد قال الله عن اليهود والنصارى: ” اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم.  وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون“.. وهم لم يكونوا يعبدون الأحبار والرهبان، إنما كانوا – فقط – يقرون لهم بحق التشريع لهم من دون الله، وبحق وضع المناهج لحياتهم بالتشريع. فقال الله عنهم: إنهم اتخذوهم أرباباً. وإنهم خالفوا عن أمر الله لهم بالتوحيد . وانهم مشركون..

        روى الإمام احمد والترمذي وابن جرير من طرق، عن عدى بن حاتم – رضي الله عنه- انه لما بلغته دعوة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية. فأسرت أخته وجماعة من قومه. ثم من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على أخته وأعطاها.  فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فتقدم عدى إلى المدينة، وكان رئيساً في قومه طيئ. أبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم. فتحدث الناس بقدومه. فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم – وفي عنق عدى صليب من فضة – وهو يقرأ هذه الآية: ” اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله “… قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال :” بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، واحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم”!.

وقال السدى: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.  ولهذا قال تعالى: “وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً “، أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ…

        والإسلام وحده هو الذي يفرد الله – سبحانه – بالعبادة ، حين يفرده بالحاكمية وحق وضع المنهج لحياة الناس.  ومن ثم فهو – وحده – الذي يطلق الناس من العبودية لغير الله .. ولهذا فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق هذا المنهج دون سواه!.

* * *

         ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، لأنه – بربانيته – هو المنهج الوحيد المبرأ من نتائج الهوى الإنساني، والضعف الإنساني، والرغبة الإنسانية في النفع الذاتي، وفي تحقيق ذلك النفع عن طريق التشريع. لشخص المشرع. أو لأسرته. أو لطبقته. أو لشعبه… أو لجنسه.. فواضع ذلك المنهج هو الله .  وهو – سبحانه- رب البشر أجمعين. فهو لا يشرع ليحابي نفسه! ولا ليحابي طبقة من البشر على طبقة! ولا ليحابي شعباً على شعب! ولا ليحابي جنساً على جنس!.

        والتشريع البشري، الذي يصنعه فرد حاكم، أو أسرة حاكمة، أو طبقة حاكمة، أو أمة حاكمة، أو جنس حاكم… يستحيل – بحسب فطرة الإنسان – أن يتجرد من الهوى، ومن مراعاة مصلحة واضع التشريع.

        فأما حين يكون منهج الله هو الذي يحكم حياة البشرـ فتنتفي هذه الصفة ويتحقق العدل الحقيقي الشامل الكامل، الذي لا يملك منهج آخر من مناهج البشر أن يحققه في صورته هذه. لأنه ليس بين هذه المناهج كلها ما يمكن أن يتجرد من عوامل الهوى الإنساني، والضعف الإنساني والحرص على المصلحة الذاتية في صورة من الصور.

        وقد يخطر لقائل أن يقول حين يسمع التوجيهات الربانية الرفيعة في إقرار هذا العدل الشامل الكامل، الذي لا يتأثر بالهوى، ولا يتأثر بالعصبية والقرابة من مثل قوله تعالى للجماعة المسلمة: ” يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا.  اعدلوا هو أقرب للتقوى. واتقوا الله. إن الله خبير بما تعلمون “.

        قد يخطر لقائل أن يقول: وما هي الضمانات التي تجعل الجماعة المسلمة تحقق هذا العدل الذي يدعوها الله إليه، ويأمرها به؟

        والضمانة الحقيقية للمنهج الإسلامي كله كامنة في ضمير المسلم، منبعثة من إيمانه. فمتى وجد الإيمان بهذا الدين وجدت معه أقوى ضماناته.  والمسلمون يتعلمون من دينهم ان مقومات وجودهم وانتصارهم والتمكين لهم في الأرض، تقوم كلها على الوفاء بهذه التوجيهات؛ وإلا تعرض وجودهم للزوال، وانقلب انتصارهم هزيمة، وذهبت ريحهم وذلوا.

وهم يسمعون الله – سبحانه- يقول لهم : ” ولينصرن الله من ينصره. إن الله لقوي عزيز . الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأمور “.. ويوقنون ان الله – سبحانه – لا يحابيهم حين يحيدون عن الطريق.

        والجماعة المسلمة ضمانة حقيقة لتحقيق هذه التوجهات. فهي تقوم على هذه العقيدة. وتأخذ نفسها بالتزام ما الزمها الله.  وترى في كل إهمال أو تفريط نذيراً يلحقها كلها، ولا يصيب الذين ظلموا منها خاصة…

        ومن ثم نحن ملزمون بتحقيق ذلك المنهج، لتحقيق ذلك العدل الشامل الكامل، الذي لا يتحقق إلا في ظل هذا المنهج المتـفرد.

* * *

        ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج ، لأنه – وحده – المنهج المبرأ من نتائج الجهل الإنساني والقصور الإنساني – براءته من نتائج الضعف البشري – فواضعه هو خالق هذا الكائن الإنساني، العليم بما يصلحه ويصلح له. وهو المطلع على خفايا تكوينه وتركيبه، وخفايا الملابسات الأرضية والكونية كلها في مدى الحياة البشرية كذلك… فإذا وضع له منهجاً كان ملحوظاً في هذا المنهج كل هذه العوامل التي يستحيل على البشر أفراداً ومجتمعين في جيل من الأجيال – وفي جميع الأجيال كذلك – ان يطلعوا عليها.  لأن بعضها في حاجة إلى استحضار جميع التجارب والظواهر للحياة البشرية في جميع أجيالها السابقة والحاضرة، والمستقبلة التي لم توجد بعد – وهذا مستحيل – وبعضها في حاجة إلى الإطلاع على كل خفايا الكون المحيطة بالإنسان – وهذا مستحيل كذلك – وذلك إلى قصور الإدراك البشري ذاته عن الحكم الصحيح المطلق حتى على ما يمكن ان تستحضر فيه التجارب والظواهر! لأنه محكوم بطبيعته الجزئية – غير المطلقة- ومحكوم بمؤثرات الهوى والضعف الأخرى. فليس هو إذن بالحكم في منهج يوضع “للكائن الإنساني”!.

        ومن ثم يقول الله تعالى: ” ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات والأرض ” .. ويقول:” ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون“.

        والناس كلهم لا يعلمون … لا يعلمون ذلك العلم المطلق، الذي يحتاج إليه وضع منهج للحياة البشرية… ومن ثم لا يكون لهم إلا الهوى وإلا الجهل حين يتصدون لما ليس من شانهم ،ولما ليس من اختصاصهم … فوق ادعائهم لخاصية من خصائص الألوهية… وهو إثم عظيم. وشر عظيم!.

        ونحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأنه – وحده – المنهج الذي يقوم نظام الحياة البشرية فيه على أساس من التفسير الشامل للوجود.  ولمكان الإنسان في هذا الوجود.  ولغاية الوجود الإنساني – كما هي في الحقيقة- لا كما يرسمها الجهل والضعف والهوى البشري، في أي تصور آخر غير رباني.

        وهذا هو الأساس السليم القويم الوحيد لقيام نظام للحياة البشرية على جذوره الطبيعية. فكل نظام لحياة البشر لا يقوم على أساس من هذا التفسير الشامل لا يقوم على جذوره الطبيعية، وهو نظام مصطنع لا يمكن ان يعيش طويلاً.  وهو مصدر شقاء للبشر طوال مدة قيامه فيهم، حتى تحطمه فطرتهم وترجع إلى الأصل السليم القويم.

        وهذا التفسير الذي يتضمنه ذلك المنهج الإلهي هو – وحده – التفسير الصحيح. لأنه من صنع خالق الوجود، وخالق الإنسان، العليم بحقيقة الوجود وبحقيقة الإنسان… وكل تفسير آخر للوجود، ولمقام الإنسان فيه، ولغاية الوجود الإنساني من صنع الإنسان نفسه، هو تفسير قاصر، لأن الوجود اكبر من الإنسان.  فهناك استحالة في أن يصنع له الإنسان تفسيراً شاملاً.  ولأن تحديد غاية الوجود الإنساني تحتاج إلى علم خالق هذا الإنسان وما أراده من خلقه.  كما تحتاج إلى تجرد من الهوى في تحديد هذه الغاية! الأمر الذي لا يتيسر للإنسان أبداً.

        والذي يراجع سجل الفلسفة التي حاولت تفسير الوجود، وتفسير مكان الإنسان فيه، وتفسير غاية الوجود الإنساني، يقع على ركام عجيب. فيه من المضحكات الساذجة بقدر ما فيه  من السخف والافتعال. حتى ليعجب الإنسان.  كيف تصدر هذه التصورات عن “فيلسوف”!! لولا أن يتذكر أن هذا الفيلسوف إنسان؛ لا يملك إلا أداة العقل البشري. وأن هذا ليس مجال العقل البشري. وأن هؤلاء الناس “الفلاسفة” ! هم الذين زجوا بأنفسهم في مجال لا منارة لهم فيه، إلا تلك الذبالة الموهوبة لهم من الله لشأن آخر غير هذا الشأن. ولمجال آخر غير هذا المجال. شان تملك فيه أن تجدى، ومجال تملك فيه ان تنير … ذلك هو شأن الحياة الواقعية وذلك هو مجال الخلافة في الأرض وفق المنهج الإلهي . من التطلع إلى فضل الله وعونه، فيما يمده به من تفسير شامل للوجود، ولغاية الوجود الإنساني… وقوله الفصل وهو الحق… وقد تضمن منهجه ذلك التفسير بالقدر الذي يقوم عليه التصور الإنساني الصحيح.  وبالقدر الذي يقوم عليه كذلك نظام حياته على جذوره الطبيعية.

        فنحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج، ليقوم نظام الحياة البشرية على جذوره الطبيعية. وليس هنالك منهج آخر، تتوافر فيه هذه الخاصية التي لا بد منها.

* * *

        ونحن  أخيراً ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج لأنه – وحده – المنهج الذي يتناسق مع نظام الكون كله. فلا ينفرد الإنسان بمنهج لا يتناسق مع ذلك النظام. على حين أنه مضطر ان يعيش في إطار هذا الكون، وان يتعامل بجملته مع النظام الكوني.

        والتناسق بين منهج حياة الإنسان ومنهج حياة الكون هو وحده الذي يكفل للإنسان التعاون مع القوى الكونية الهائلة؛ بدلاً من التصادم معها.  وهو حين يصطدم معها يتمزق وينسحق، ولا يؤدي وظيفة الخلافة في الأرض، كما أرادها الله له.  وحين يتناسق مع نواميس الكون ويتوافق، يملك معرفة أسرارها، وتسخيرها، والانتفاع بها في حياته.

لا ليحترق بنار الكون ولكن ليطبخ ويستدفئ ويستضيء!!!.

        والفطرة البشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون… فحين يخرج الإنسان بنظام حياته عن ذلك الناموس، فانه لا يصطدم مع الكون الهائل فحسب،  بل يصطدم أيضاً بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزق ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البشرية اليوم في عذاب نكد، على  الرغم من جميع الانتصارات العلمية، وجميع التيسيرات الحضارية المادية.

        إن هذه البشرية تعاني من الشقاء والقلق والحيرة والاضطراب، وتهرب من واقعها النفسي بالأفيون والحشيش والمسكرات. وبالسرعة المجنونة، والمغامرات الحمقاء؛ “وبالتقاليع” السخيفة… وذلك على الرغم من الرخاء المادي والإنتاج الوفير والحياة الميسرة، والفراغ الكثير… لا بل إن الخواء والقلق والحيرة لتتضاعف كلها كلما تضاعف الرخاء المادي والتيسيرات الحضارية…

        إن هذا الخواء المرير يطارد البشرية كالشبح الرهيب. يطاردها فتهرب منه.  ولكنها تنتهي كذلك إلى خواء مرير.

        وما من أحد يزور البلاد الغنية الثرية المترفة بالتيسيرات الحضارية – وفي مقدمتها أمريكا والسويد- حتى يكون الانطباع الأول في حسه أن هؤلاء قوم هاربون ! هاربون من أشباح تطاردهم.  هاربون من ذوات أنفسهم… وسرعان ما ينكشف له الرخاء المادي والمتاع الحسي والإشباع الجنسي إلى حد التمرغ في الوحل… سرعان ما ينكشف له هذا كله عن الأمراض العصبية والنفسية، والشذوذ الجنسي، والقلق العصبي، والمرض والجنون، والجريمة الشاذة، وفراغ الحياة من كل تصور إنساني كريم.

        لقد أحرزت البشرية – عن طريق العلم – انتصارات ضخمة في عالم الصحة والعلاج من الأمراض الجسمية. فكشفت من الأدوية ووسائل التشخيص والعلاج ما يعد انتصارات رائعة.  وبخاصة بعد كشف مركبات السلفا والبنسلين والمايسين…

        ولقد حققت في عالم الصناعة والإنتاج ما يشبه الخوارق… وما تزال في طريقها صعدا في هذا المجال.

        ولقد أحرزت انتصارات باهرة في كشوف الفضاء، والأقمار الصناعية، ومحطات الهواء. ومراكب الفضاء… وما تزال في الطريق…

        ولكن ما أثر هذا كله في حياتها؟ ما أثره في حياتها النفسية! هل وجدت السعادة؟ هل وجدت الطمأنينة؟ هل وجدت السلام؟ كلا! لقد وجدت الشقاء والقلق والخوف… إنها لم تتقدم كذلك في تصور أهداف الحياة الإنسانية، وغاية الوجود الإنساني. وحين يقاس تصور الرجل “المتحضر” لغاية وجوده الإنساني، إلى التصور الإسلامي لهذه الغاية، تبدو الحضارة الراهنة لعنة تنحط بالشعور الإنساني إلى الحضيض، وتصغر من اهتماماته وأشواقه وإنسانيته كلها!.

        إنهم في أمريكا مثلاً يعبدون آلهة جديدة؛ يتصورونها غاية الوجود الإنساني. إله المال. وإله اللذة. وإله الشهرة. وإله الإنتاج! ومن ثم لا يجدون أنفسهم لأنهم لا يجدون غاية وجودهم الإنساني! وكذلك الحال في الجاهليات الأخرى. التي تعبد آلهة مشابهة، لأنها لا تجد إلهها الحقيقي!.

        من اجل هذا كله نحن ملزمون بمحاولة تحقيق ذلك المنهج الإلهي  للحياة البشرية. لنرد البشرية إلى إلهها الواحد؛ وإلى غاية وجودها اللائقة بالإنسانية؛ وإلى الناموس الكوني الذي يشمل الكون كله ويشملها.

        وهذه هي الحقيقة التي يقررها القران الكريم، وهو يستنكر مسلك الذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله، ومنهجه في الحياة، مخالفين بذلك عن كل شيء في هذا الوجود الكبير.

أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً، وإليه يرجعون “.

وصدق الله العظيم

* * *

SEYİD KUTUB’UN HADEDDİN KİTABINDAN ALINMIŞTIR

[Toplam:0    Ortalama:0/5]

Yorum Yap

E-posta hesabınız yayımlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir