منْهَجٌ مُيَسَّـر

        ثم يقول قائل: ولكن البشرية لم تصبر طويلاً على هذا المنهج السامق الفريد.  فقد تفلتت منه الجماعة التي حققته في الأرض فترة من الزمان، وقد اتجهت البشرية بعده إلى مناهج أخرى لا ترتفع إلى تلك القمة السامقة، ولكنها لا تكلف البشرية هذا الجهد الشاق!.

        وقد يبدو هذا القول صحيحاً للوهلة الأولى.  فقد حرص كثير من الكتاب على تثبيت هذا المعنى في النفوس؛ وعلى الإيحاء بان هذا المنهج غير عملي ولا واقعي؛ ولا تطيقه طويلاً فطرة البشر؛ وإنما هو دعوة “مثالية” إلى أفق غير مستطاع! وكان لهم من وراء تثبيت هذا المعنى غرض ماكر؛ هو إشاعة اليأس من إمكان استئناف الحياة في ظل هذا المنهج؛ وتخذيل الجهود التي تبذل لرد البشرية إلى هذا المنهج القويم.  ووجد هؤلاء الماكرون في الفتنة التي بدأت بقتل عثمان – رضي الله عنه – وما تلاه من الخلاف بين علي- كرم الله وجهه- ومعاوية، وما أعقب هذا الخلاف  من إحداث… وجدوا في هذه الفتنة مادة خصبة؛ وفي الروايات الصحيحة والزائفة عنها فرصة سانحة، لمحاولة تثبيت ذلك المعنى الخبيث. طوراً بالتلميح. وطوراً بالتصريح. حسبما واتتهم الظروف!.

        وساعدهم في هذا المكر – عن غير قصد وبحسن نية – جماعة من المخلصين الذين ساءهم أن تعترض هذه الفتنة خط المد الإسلامي الصاعد في تلك الفترة التاريخية العظمية.  وأن يقع بعض الانحراف في تصور سياسة الحكم عما كان عليه في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم- والشيخين بعده. وان يقع بعض الانحراف في سلوك بعض الأمراء أيضاً.. ومن ثم يحسون بسبب إرهاف مشاعرهم، أن المد الإسلامي كله قد توقف بعد فترة الخلافة القصيرة! وينادون بهذه النظرية في حرارة إخلاصهم وشوقهم للقمة السامقة! وحماستهم للصورة الوضيئة الفريدة!.

        وهذا كله يحتاج إلى إعادة النظر؛ وإلى دقة النظر؛ وإلى تقدير  العوامل البشرية. مع تقدير طبيعة هذا الدين؛ وطبيعة منهجه لقيادة خطى البشرية في الزمن الطويل؛ وفي مختلف البيئات ، ومختلف الظروف.

* * *

إنه ليس صحيحاً -ابتداء- أن هذا المنهج الإلهي، يكلف النفس البشرية جهداً أشق من أن تطيقه أو أن تصبر طويلاً عليه.

        إنه منهج سامق فعلاً.  ولكنه في الوقت ذاته منهج فطري. يعتمد على رصيد الفطرة، وينفق من هذا الرصيد المذخور. وميزته أنه يعرف طريقه منذ اللحظة الأولى إلى هذا الرصيد!.

        إنه يعرف طريقة إلى النفس البشرية منذ اللمسة الأولى. يعرف دروبها ومنحنياتها فيتدسس إليها بلطف؛  ويعرف مداخلها ومخارجها فيسلك إليها على استقامة، ويعرف قواها ومقدراتها فلا يتجاوزها أبداً؛ ويعرف حاجاتها وأشواقها فيلبيها تماماً؛ ويعرف طاقاتها الأصيلة البانية فيطلقها للعمل والبناء…

        وعلى كل رفعته ونظافته وسموه وسموقه… هو نظام “للإنسان”.  لهذا الإنسان الذي يعيش على سطح هذه الأرض. نظام يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان بكل مقوماتها. وخصائص تكوينه وتركيبه بكل مقتضياتها.

        وحين تستقيم النفس مع فطرتها؛ وحين تلبي حاجاتها وأشواقها، وحين تطلق طاقاتها للعمل والبناء، فإنها تجري مع الحياة في يسر وطواعية؛ وتمضي مع خط الفطرة الصاعد، إلى القمة السامقة؛ وهي تجد الأنس والاسترواح والطمأنينة والثقة في خط سيرها الطويل.

* * *

        وبعض الذين يتشككون ويشككون في إمكان تحقيق هذا المنهج تروعهم “أخلاقية” هذا المنهج؛ وأصالة العنصر الأخلاقي في تكوينه وتهولهم تكاليف هذه “الأخلاقية” فيه؛ ويتصورونها قيوداً وكوابح دون انطلاق الإنسان إلى ما يشتهي؛ وإلى ما تدفعه إله نوازعه الفطرية وأشواقه.

        وهذا وهم  ناشئ من عدم إدراك طبيعة هذا الدين.

        إن أخلاقية الإسلام لا تتمثل في مجرد مجموعة من القيود والكوابح والضوابط الرادعة. كلا! إنها في صميمها قوة بناءة، وحركة دافعة إلى النمو المطرد؛ وانطلاق إلى الحركة وتحقيق الذات في هذه الحركة.. ولكن في أسلوب نظيف..

        إن العمل والإيجابية صورة أخلاقية في هذا المنهج. فالتبطل والسلبية صورة غير أخلاقية، لأنها تنافي غاية الوجود الإنساني – كما يصورها الإسلام – وهي الخلافة في الأرض؛ واستخدام ما سخره الله للإنسان من قواها  وطاقاتها في التعمير والبناء.

        والجهاد لتحقيق الخير ومكافحة الشر صورة أخلاقية؛ تنطلق فيها طاقات أساسية في الكيان الإنساني؛ بينما هي في اعتبار الإسلام طاعة يتمثل فيها العنصر الأخلاقي في صورة رائعة.

        وحتى حين نأخذ الصور الأخلاقية التي تبدو في ظاهرها قيوداً كوابح، فإننا نجدها من الجانب الآخر تمثل صوراً من الانطلاق والتحرر … والحركة.

        نأخذ مثلاً صورة ضبط النفس عن الاندفاع مع الشهوات الجنسية المحرمة.. إنها في ظاهرها تبدوا كبتاً وكبحاً..  ولكنها في حقيقتها تمثل التحرر من العبودية لهذه الشهوات؛ والإنطلاق من عقالها، واستعلاء الإرادة الإنسانية، بحيث “تختار” مواضع هذه الشهوات؛ في حدود النظافة التي يوفرها الإسلام، وفي دائرة الطيبات التي أحلها الله([1]).

        كذلك نأخذ صورة أخرى من صور الأخلاقية.. صورة الإيثار. إنها قد تبدو تكليفاً للنفس، وكفاً لها عن التمتع بكل ما تملك؛ لتؤثر به نفساً أخرى… ولكنها في صميمها انطلاق من الشح، واستعلاء على الحرص، وسعة في الشعور بالخير العام، الذي لا ينحصر في إطار الذات.. فهي في حقيقتها انفلات وتحرر وانطلاق.

        و لا نملك المضي في عرض الأمثلة الكثيرة على هذا النحو. فحسبنا هذه الإشارة، لفهم حقيقة “القيود” الأخلاقية في المنهج الإسلامي.

        إن الإسلام يعتبر الآثام والرذائل قيوداً وأغلالاً، تشد النفس الإنسانية وتثقلها وتهبط بها إلى الوحل. ويعد الانطلاق من إوهاق الميول الهابطة تحرراً وانطلاقاً، وكل “أخلاقيته” تقوم على هذا الأساس.

        ذلك انه يعتبر أن الأصل في الفطرة هو الاستعداد للخير، فالإنسان خلق في أحسن تقويم. وإنما يرتد أسفل سافلين حين يستسلم لغير منهج الله: ” لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين.. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات “.  ومن ثم فان المنهج الذي يلائم الفطرة، هو الذي يعينها على الانفلات من القيود الطارئة على الفطرة الخيرة، والتحرر من ربقة الشهوات المقيدة!.

        والإسلام يحرص على قيادة المجتمع البشري، والهيمنة عليه، لينشيء فيه حالات وأوضاعاً تطلق الأفراد من الانحرافات الدخيلة على الفطرة، وتسمح للقوى الخيرة البانية في الفطرة بالظهور والتحرر والتفوق ، وتزيل العوائق التي تحول بين الفطرة والانطلاق إلى الخير الذي فطرت عليه.

        والذين  يظنون أن “أخلاقية” الإسلام تجعل منه عبئاً ثقيلاً على البشرية، تحول دون تحقيقه في حياتهم، إنما يستمدون هذا الشعور مما يعانيه الفرد المسلم، حين يعيش في مجتمع لا يهيمن عليه الإسلام.. وحين يكون الأمر كذلك يكون الإسلام بأخلاقيته عبئاً ثقيلاً فادحاً بالفعل، يقصم ظهور الأفراد الذين يعيشون بإسلامهم النظيف، في المجتمع الجاهلي القذر؛ ويكاد يسحقهم سحقاً!.

        ولكن هذا ليس هو الوضع الطبيعي الذي يفترضه الإسلام، وهو يفرض “أخلاقيته” الرفيعة النظيفة السامقة على الناس… إن الإسلام نظام واقعي. ومن ثم فهو يفترض أن الناس الذين يعيشون بمنهجه، يعيشون في مجتمع يهيمن عليه الإسلام.  وفي هذا المجتمع يكون الخير والفضيلة والنظافة هي “المعروف” الذي يعرفه ويصونه كل القائمين على هذا المجتمع.  ويكون الشر والرذيلة والقذارة هي “المنكر” الذي تطارده كل القوى المهيمنة على هذا المجتمع أيضاً!.

        وحين يستقيم الأمر – على هذا النحو – يصبح المنهج الإسلامي للحياة منهجاً ميسراً شديد التيسير.  بل تصبح الصعوبة الحقيقية هي مخالفة الأفراد لهذا المنهج؛ ومحاولتهم الاندفاع مع الشهوات الهابطة،  ومقارفة الشر والرذيلة . لأن كل القوى  المهيمنة على المجتمع حينئذ- مضافاً إلها قوة الفطرة السليمة المستقيمة – تقف في وجوههم، وتجعل طريقهم المنحرف شاقاً عسيراً!.

        ومن هنا يحتم الإسلام أن تكون الهيمنة المطلقة على الجماعة البشرية لله ولمنهج الله؛ ويحرم ان تكون هذه الهيمنة المطلقة لأحد من خلق الله، ولمنهج من صنع غير الله. ويعد هذا كفراً صريحاً أو شركاً كاملاً – كما أسلفنا في مقدمات الفصل السابق- فالإسلام له صورة واحدة،؛ هي إفراد الله سبحانه بالألوهية .. أي إفراد منهجه بالهيمنة على الحياة البشرية. لأن هذا هو المعنى المباشر القريب لشهادة ان لا إله إلا الله كما أسلفنا.

        كذلك يفترض الإسلام قيام مجتمع إسلامي يعيش في ظله الفرد المسلم بدينه هذا، وبخلقه الذي يفرضه هذا الدين.  ذلك ان الشعور الإسلامي للوجود كله، ولغاية الوجود الإنساني، يختلف اختلافاً جوهرياً عن جميع التصورات الجاهلية – وهي التي يصوغها البشر لأنفسهم في معزل عن هدى الله في أي زمان وفي أي مكان – وهو اختلاف رئيسي لا مجال فيه للالتقاء في منتصف الطريق…

        فلابد إذن من وسط خاص يعيش فيه هذا التصور، بكل قيمة الخاصة. لابد له من وسط غير الوسط الجاهلي، ولابد له من بيئة غير البيئة الجاهلية.

        هذا الوسط الخاص يعيش بالتصور الإسلامي، وبالمنهج الذي ينبثق منه؛ ويتنفس أنفاسه الطبيعية في طلاقه وحرية، وينمو نموه الذاتي بلا عوائق من داخله تؤخر هذا النمو أو تقاومه؛ وبلا عوائق من خارجه تسحقه أو تطغى عليه.

        وفي هذا الوسط يحيا الفرد المسلم حياة طبيعية مريحة؛ لأنه يتنفس أنفاسه الطبيعية؛ ويجد على الخير أعواناً، ويجد في إتباع “الأخلاقية” الإسلامية راحة شعورية، وراحة اجتماعية.

        وبغير هذا الوسط تصبح حياة هذا الفرد متعذرة – أو شاقة على الأقل- ومن هنا ينبغي أن يعلم من يريد ان يكون مسلماً، أنه لا يستطيع أن يزاول   إسلامه إلا في وسط مسلم، يهيمن عليه الإسلام.  وإلا فهو واهم إذا ظن أنه يملك أن يحقق إسلامه، وهو فرد ضائع أو مطارد في المجتمعات الجاهلية!.

        إن المنهج الإسلامي ميسر، حين يعيش في وسطه هذا.  وهو يفترض أن هو الوسط لابد من وجوده.  ويقيم توجيهاته كلها على هذا الأساس.

* * *

كذلك ليس صحيحاً أن هذا المنهج يكلف البشرية جهداً أشق من الجهد الذي تبذله وهي تحيا في ظل المناهج الجاهلية.

        إن المناهج الجاهلية – وهي التي يتخذها البشر لأنفسهم في معزل عن هدى الله في أي زمان وفي أي مكان – تتسم حتماً بشيء من نتائج الجهل البشري والضعف البشرى والهوى البشرى – وذلك في احسن حالاتها – فهي من ثم تصطدم بالفطرة البشرية اصطداماً كلياً أو جزئياً.  ومن ثم تشقى بها النفس بقدر ما فيها من التصادم  مع فطرتها!.

        ثم إنها تتسم كذلك بالعلاجات والحلول الجزئية للمشكلات البشرية.  وكثيراً ما تعالج جانباً بإيذاء الجانب الآخر، وتلك هي الثمرة المباشرة للرؤية الناقصة التي لا تلم بجميع الجوانب في الوقت الواحد.. فإذا عادت إلى علاج الداء الجديد الذي أنشأه العلاج للداء الأول، أنشأت داء جديداً … وهكذا دواليك.. كما تشهد بذلك دراسة التقلبات والأطوار التي أنشأتها النظم البشرية والمناهج البشرية… الجاهلية… وهذا وذلك يكلف البشرية – ولا شك – جهوداً أشق من الجهد الذي تبذله للمنهج الكامل الشامل المستقيم مع الفطرة؛ الذي ينظر إلى مشكلاتها كلها من جميع الجوانب، ويضع لها العلاج  الكامل الشامل، المنبثق من الرؤية الكاملة الشاملة.

        والذي يراجع سجل الآلام البشرية، الناشئة من مناهج الجاهلية، في تاريخها الطويل، لا يجرؤ على القول بان هذا المنهج الإلهي بكل تكاليفه، وبكل “أخلاقيته” يكلف البشرية من الجهد مالا تكلفه لها المناهج الجاهلية!.

        وأيسر ما في هذا المنهج أنه – وهو يضع في حسابه البلوغ إلى القمة السامقة – لا يعتسف الطريق، ولا يستعجل الخطى، ولا يتخطى المراحل… إن المدى أمامه ممتد فسيح؛ ولا يحده عمر فرد، ولا تستحثه رغبة فان يخشى أن يعجله الموت أو الفوت عن تحقيق غايته البعيدة؛ كما يقع لأصحاب المذاهب والمناهج الأرضية من البشر الفانين؛ الذين يعتسفون الأمر كله في جيل واحد؛ ويتخطون الفطرة الهادئة الخطى، ليقفزوا إلى تحقيق صورة براقة تخايل لهم؛ ولا يصبرون على الخطو الطبيعي الهادئ المطمئن البصير … وفي الطريق المعتسف الذي يسلكونه تقوم المجازر، وتسيل الدماء، وتتحطم القيم، وتضطرب الموازين… ثم يتحطمون هم في النهاية تحت مطارق الفطرة التي لا تصمد لها الأجهزة المصطنعة العسوف!.

        فأما المنهج الإسلامي فيسير هيناً ليناً – مع الفطرة – يوجهها من هنا، ويذودها من هناك، ويقومها حين تميل.  ولكنه لا يكسرها ولا يحطمها ولا يجهدها كذلك.  إنه يصبر عليها صبر العارف البصير، الواثق من الغاية البعيدة المدى، الأكيدة التحقيق… والذي لا يتم في الجولة الأولى يتم في الجولة الثانية، والذي لا يتم في الجولة الثانية يتم في الجولة الثالثة… أو العاشرة… أو المئة… أو الألف! كل ما هو مطلوب هو بذل الجهد والمضي في الطريق!.

        وكما تنبت الشجرة الباسقة، وتضرب بجذورها في أعماق التربة، وتتطاول فروعها وتتشابك… كذلك ينبت هذا المنهج في النفس والحياة.  ويمتد في بطء، وعلى هينة… وفي ثقة وطمأنينة… ثم يكون ما يريد الله أن يكون..

        إن الإسلام يلقى بذوره، ويقوم على حراستها؛ ويدعها حينئذ  تنمو نموها الطبيعي الهادئ وهو واثق من الغاية البعيدة.. ومهما يحدث من البطء أحياناً، ومن التراجع أحياناً، فان هذا شأن الفطرة.. والزارعة قد تسفى عليها الرمال… وقد يأكل بعضها الدود.. وقد يحرقها الظمأ. وقد يغرقها الري. وقد تصاب بشتى الآفات … ولكن الزارع البصير يعلم أنها زرعة للبقاء والنماء، وأنها ستغالب الآفات كلها على المدى الطويل.  فلا يعتسف، ولا يقلق.  ولا يحاول أن ينضجها بغير وسائل الفطرة الهادئة اليسيرة… ومن ثم يصاحبها اليسر، وتسهل تكاليفها على النفوس..

        على أننا لا نحتاج – اليوم- إلى الحديث عما تعانيه البشرية من اعتساف المناهج الجاهلية وأصحابها.  وحسبنا ما تجأر به من الشقوة في مشارق الأرض ومغاربها. و ما يجهر به بقية العقلاء من صيحات الإنذار والخطر في كل مكان..

        وأخيراً فانه ليس صحيحاً أن هذا المنهج لم يعش طويلاً- كما يقول بعضهم في خبث وكيد؛ وبعضهم في حماسة وغيرة! فان البناء الروحي والاجتماعي والسياسي، الذي قام على أساس هذا المنهج السامق الفريد، والذي لم يستغرق بناؤه سوى قرن واحد من الزمان – بل نصف قرن في الحقيقة – قد ظل يقاوم جميع الآفات التي تسللت إليه، وجميع العداوات التي ساورته، وجميع الهجمات الوحشية التي شنت عليه … اكثر من ألف عام.

        وقد ظلت هذه العوامل الرهيبة تساوره وتهاجمه وتتسلل إلى قواعده في إصرار… ووراءها جميع قوى العالم الجاهلي.. فلا تبلغ أن تحطمه من أساسه.  ولكنها مع تطاول الزمان، ومع التجمع والترصد، ومع الإصرار والاستمرار؛ ظلت تنقص منه شيئاً فشيئاً، وتنحرف به عن أصوله شيئاً فشيئاً حتى أثخنته فعلا وهددته تهديدا خطيرا .. ومع هذا كله فإنها لم تستطع – حتى اللحظة – تشويه أصوله النظرية، فما تزال هذه الأصول قادرة على البعث الجديد، حين يعتنقها جيل جديد!.

        ولكي ندرك قيمة هذه الحقيقة التاريخية، ينبغي ان ننظر إلى بناء آخر، قام على منهج جاهلي… ذلك هو بناء الدولة الرومانية.. لقد استغرق هذا البناء قرابة ألف عام.. ثم تحطم فيما لا يزيد على قرن واحد تحت ضربات الهون والقوط.. ولم يقم بعد ذلك أبداً.. ولا بقيت في أصوله بقية ينهض عليها بعث جديد!.

        وهذا هو الفارق الأساسي بين منهج الله ومناهج العبيد!.

        نعم إنه كانت هناك فترة فارعة في تاريخ هذا المنهج – وفي تاريخ البشرية كله – ظلت تتراءى في التاريخ البشري كله، كالقمة السامقة، تتطاول إليها الأعناق، وتتطلع إليها الأنظار؛ وهي  في مكانها السامي هناك!.

 …. وهي فترة قصيرة فعلاً ….

        ولكن هذه الفترة ليست هي كل العهد الإسلامي… إنما هي منارة أقامها الله، لتظل البشرية تتطلع إليها، وتحاول ان تبلغها كذلك؛ وتتجدد آمالها في بلوغ القمة السامقة، وهي تدرج إليها في المرتقى الصاعد.  ويقسم الله لها ما يقسم من المدارج في هذا المرتقى. وهي تتطلع دائماً إلى المنارة الهادية!.

        حقيقة ان هذه الفترة لم تكن وليدة معجزة لا تتكرر، وأنها كانت ثمرة الجهد البشري الذي بذلته الجماعة المسلمة الأولى، وأنها ممكنة التحقيق حين يبذل مثل ذلك الجهد مرة أخرى…

        ولكن هذا الجهد الذي بذلته طائفة مختارة من البشر، قد يكون مرصوداً لكثير من الأجيال  البشرية القادمة – لا لجيل واحد – وقد يكون تحقيق تلك القمة الفريدة في ذلك الجيل الواحد، قدراً من أقدار الله، لكي يقوم هذا النموذج في صورة واقعية تمكن محاولتها ، وتمكن معرفة خصائصها … ثم يترك للبشرية بعد ذلك في أجيالها المتتابعة، ان تحاول بلوغها من جديد.

        وقد ظل المنهج يؤدي دوره، فيما بعد هذه الفترة، في مساحات واسعة من الحياة البشرية، وظل يفعل في تصورات البشرية وتاريخها وواقعها أجيالاً طويلة؛ وترك من ورائه آثاراً وتيارات في حياة البشرية كلها، لعلها هي التي تجعلنا نأمل اليوم، في إمكان البشرية ان تتطلع إلى المحاولة من جديد.

* * *

SEYİD KUTUB’UN HADEDDİN KİTABINDAN ALINMIŞTIR

[Toplam:0    Ortalama:0/5]

2 thoughts to “İSLAMIN YÖNTEMİ KOLAYLIKTIR

  • Recep Hançer

    Öncelikle böyle bir yazıyı buralarda paylastiginiz için teşekkür ediyorum ama herkesin Arapça düzeyi bir olmadığından Türkçe tercüme destekli olsa çok daha verimli olurdu diye düşünüyorum kolay gelsin…

    Cevapla
    • admin

      Tavsiyeniz için teşekkürler. Türkçe tercüme için çalışıyoruz çok yakın bir zaman da eksiklerimizi düzelteceğiz.

      Cevapla

Yorum Yap

E-posta hesabınız yayımlanmayacak. Gerekli alanlar * ile işaretlenmişlerdir